الأيمان
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . الأيمان لغة : جمع يمين وهي – أي اليمين – الحلف أو القسم . وهي : تأكيد الأمر المحلوف عليه بذكر معظم . فإذا قال : " والله ما فعلت كذا " فهي يمين ، وإذا قال : " والله لأفعلن كذا " فهي يمين لأنه قد أكد هذا الأمر المحلوف عليه بذكر معظم عنده وهو الله سبحانه وتعالى . وإذا قال المشرك : " واللات ما فعلت " فإنها يمين لكونه أكد الأمر المحلوف عليه بذكر معظم عنده ، لكنها يمين ليست بمحترمة و لا كفارة فيها ، بخلاف الأولى فإنها محترمة . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث هي اليمين بالله أو صفة من صفاته أو بالقرآن أو بالمصحف ] الحنث : هو أن يترك ما حلف أن يفعله أو أن يفعل ما حلف أن يتركه . فإذا قال : " والله لأفعلن كذا " ثم لم يفعل ، أو قال : " والله لأتركن كذا وكذا " فلم يترك فإن ذلك حنث . والكفارة واجبة عند الحنث ، لقوله تعالى : ) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ( الآية فالكفارة واجبة عند الحنث . واليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث هي اليمين بالله أو صفة من صفاته أو بالقرآن أو بالمصحف هي اليمين التي تجب فيها الكفارة . " هي اليمين بالله " : أي باسم من أسماء الله تعالى ، كأن يقول : " والله أو والخالق أو ورب العالمين " . وإذا كان الاسم إذا أطلق فإنه لا ينصرف إلى الله عز وجل كـ الكريم فإنه لا يكون يميناً حتى ينوى أن المحلوف به هو الله عز وجل فإذا قال : والكريم وهو يريد بذلك الله عز وجل ، أو قال : والرحيم وهو يريد بذلك الله عز وجل فإنها تكون يميناً محترمة تجب فيها الكفارة . وأما إذا أراد مخلوقاً موصوفاً بالكرم أو موصوفاً بالرحمة فإنها لا تكون يميناً محترمة ، و لا كفارة فيها . " أو صفة من صفاته " : سواء كانت صفة ذاتية أو كانت صفة فعليه فلو قال : " أقسم بوجه الله أو بعلو الله على خلقه ، أو ومقلب القلوب أو أقسم بضحك الله أو غضبه وسخطه أو بعهده أو بميثاقه ونحو ذلك ، فإن ذلك كله يمين تُكفر . " أو بالقرآن أو بالمصحف " : نصَّ عليهما خلاف الجهمية ، فإن الجهمية يقولون : المصحف مخلوق والقرآن مخلوق ، وعليه فلا يحل الحلف بهما . وأهل السنة والجماعة يقولون : القرآن كلام الله والمصحف كلام الله ، فعلى ذلك يحلف بهما لأنهما صفة من صفات الله تعالى لأن القرآن هو كلام الله والمصحف هو كلام الله . ومثل ذلك إذا قال : " أقسم بآيات الله " والناس يطلقون ذلك ويريدون بالآيات هنا الآيات الشرعية وأما إذا أراد بذلك الآيات الكونية كالشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض وغير ذلك فإن القسم ليس بمحترم لأنها يمين غير محترمة وهي يمين محرَمة . إذن : إذا قال : " والمصحف والقرآن " فهي يمين . فإن قيل : المصحف فيه ما هو مخلوق كالأوراق وغيرها ؟ فالجواب : أن المتبادر عند الإطلاق كلام الله عز وجل . وأما قول بعض الناس : " ورب المصحف " فهي عبارة لا تحل . وذلك لأن الله عز وجل ليس رباً للمصحف وإنما هو متكلم به ، فهو كلام الله عز وجل ، وهذه العبارة إنما يقولها الجهمية الذين يقولون القرآن مخلوق لله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والحلف بغير الله محرم] لقوله r : ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ) متفق عليه . وقال – كما في المسند والترمذي – بإسناد صحيح : ( من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر ) . فالحلف بغير الله من الشرك الأصغر وهو محرم ولا تجب فيه كفارة يمين . فإن قال : " والنبي لأفعلن " فلم يفعل ، فليس عليه كفارة ، وذلك لأن هذه اليمين ليست محترمة . ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( من حلف باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) ولم يأمره النبي r بالكفارة ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . ولأن اليمين هنا ليست بمحترمة ، والكفارة إنما تجب لانتهاك الحرمة ، فإن الله عز وجل معَظم يحل أن يقسم به فإذا أقسم به الإنسان على شيء فلم يفعل هذا الشيء فإنه – حينئذ – يكون قد انتهك الحرمة ، ولذا سميت كفارة ، فإذا لم يكفر فإن هذا الذنب يثبت عليه . قال تعالى : ] لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته [ ففيه مؤاخذة على ما يعقد من الأيمان إلا أن الكفارة تمحو هذه المؤاخذة . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط] فلا تجب الكفارة إلا إذا توفرت هذه الشروط الثلاث . ثم عرف اليمين المنعقدة فقال : إذن أولاً : قصد عقدها ، فإذا لم يقصد عقدها بل جرى ذلك على لسانه من غير قصد ، فحينئذ لا كفارة أو كان المتلفظ بها لا قصد له ولا عقل كالسكران أو المجنون أو الطفل فإنها لا تنعقد ، لأنهم لا قصد لهم فلا كفارة حينئذ . وكذلك في أصح الوجهين و هو المشهور في مذهب الإمام أحمد في الطفل المميز الذي لم يبلغ وذلك لقوله تعالى : ] ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [ و الصبي المميز لا يؤاخذ ، لقوله r : ( رفع القلم عن ثلاثة ) و ذكر منهم الصبي حتى يبلغ . ثانياً : " على مستقبل " أي على شيء مستقبل ، كأن يقول : والله لا أكلم زيداً أو قال : والله لأزورنك غداً فهذا على أمر مستقبل . أما لو كان على أمر ماض كأن يقول : والله ما زرت زيداً أمس فلا كفارة فيه سواء كان صادقاً أو كاذباً . إذن لابد أن يكون على أمر مستقبل وهو الذي يمكن فيه البر والحنث ، أما الأمر الماضي فقد انتهى. ثالثاً : " ممكن " أما إذا كان مستحيلاً فلا كفارة فيه ، كأن يقول : " والله لأقبلن الميت أو لأطيرن بيدي هاتين في السماء " فلا كفارة لأنهما مستحيلان . أو قال : " والله لأشربن ما في هذا الكوب " وليس فيه ماء ونحو ذلك فلا كفارة فيه . إذن : لابد أن يكون ممكنا ، لأن المستحيل لا يمكن فيه البر والحنث بل الحنث هو المتيقن . لكن لا كفارة فيها كما تقدم . إذا حلف على أمر ماضِ كاذباً عالماً فهي اليمين الغموس . فلو أن رجلاً قال : : والله ما قرأت هذا الكتاب " وقد قرأه وهو يعلم أنه قد قرأه وليس ناسياً فهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار . هذا هو المشهور عند الفقهاء وأن اليمين الغموس هي الحلف على أمر ماضٍ كاذباً عالماً ، و هو ظاهر كلام شيخ الإسلام. وظاهر الحديث الوارد في هذا الباب إنها إنما تكون يميناً غموساً حيث كان فيها اقتطاع مال امرئ مسلم . ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً أعرابياً قال للنبي r : ( ما هي الكبائر ؟ فقال r : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس قال عبد الله بن عمرو قلت : ما اليمين الغموس ؟ فقال r : التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب ) . وظاهر إطلاق الفقهاء ما ذكره المؤلف هنا . و قال الصنعاني في سبل السلام أن اليمين الغموس هي ما يقتطع بها مال أمري مسلم و الأظهر قول الفقهاء لأنها يمين فاجرة كاليمين الغموس. مما يجري على لسان الناس مع عدم قصد اليمين كأن يقول : " والله ما صار كذا " ، " أو والله لتدخلن " ونحو ذلك وهو لا يقصد عقد اليمين بل يجري ذلك على لسانه ، فهذه هو اليمين التي قال الله عز وجل فيها : ] لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم [ ، وقالت عائشة – كما في صحيح البخاري – هي قول الرجل " لا والله بلى والله " . فلغو اليمين : أن يتلفظ بالقسم وهو لا ينوي ولا يريد القسم بل يجري هذا على لسانه وهذا أمر مشهور عند الناس فهذا لا كفارة فيه . فلو أن رجلاً قال : " والله ما قرأت هذا الكتاب " وهو يظن صدق نفسه ، فبان أنه قد قرأه فهذا لا كفارة عليه لأنه أمر ماضٍ لكنه لا يأثم ولا تكون يميناً غموساً لأنه يظن صدق نفسه . وعند شيخ الإسلام ابن تيمية – خلافاً للمشهور في المذهب – أن الرجل إذا حلف على أخر لتفعلن وهو يظن أنه يكرمه و يطيعه فلم يفعل أي لم يكرمه ولم يطيعه فإنه لا كفارة عليه . فإذا قال رجل لآخر : " والله لتدخلن داري ولتطعمن عندي " وهو يظن أنه يكرمه بذلك ويطيعه فلم يفعل ، فالذي يقوله شيخ الإسلام أنه لا كفارة عليه وأنه لغو اليمين . والمشهور في المذهب خلافه ، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : والأحوط هو المذهب والله أعلم . و أما الأيمان التي يراد بها الكرامة فلا كفارة فيها في أصح القولين و هو اختيار شيخ الإسلام و الشيخ محمد بن إبراهيم كما لو حلف عليه أن يجلس على تكرمته أو يعطيه شيئاً كرامة له و امتنع الآخر لأن المكرَم لا يسمى مخالفاً لإرادة المكرِّم كما ثبت في الصحيح أن النبي r أشار إلى أبي بكر في الصلاة ليؤمه فتأخر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلا كفارة في الجميع ] وقد تقدم ذكر الدليل لذلك . فالشرط الثاني هو أن يحلف مختاراً أي غير مكره . فإن حلف مكرهاً فإن يمينه لا تنعقد ، فلو أن رجلاً وضع السيف على رأسه ليحلفنَّ ، فحلف فلا كفارة عليه لقوله r : ( إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) فحيث استكره العبد فإنه لا يؤاخذ . هذا هو الشرط الثالث من شروط وجوب الكفارة وهو الحنث فلو أن رجلاً قال : " والله لأصومن غداً " فلما جاء الغد صام فإنه لا تجب عليه الكفارة لأنه لم يحنث . وإنما تجب الكفارة حيث حنث في يمينه . هذا هو الحنث : وهو أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً . أما لو كان مكرهاً فلا حنث وحينئذ فلا كفارة . كأن يقول رجل : " والله لأزورنك غداً " لكنه مُنع من هذه الزيارة فحينئذ ليس بمختار لترك الزيارة فلا كفارة عليه لأنه ليس بمختار للحنث . ولابد أن يكون ذاكراً فإن كان ناسياً فلا حنث ، فلو أن رجلاً حلف ألا يدخل دار زيد ثم دخلها لكن دخوله كان على سبيل النسيان فلا كفارة عليه . وكذلك إذا كان جاهلاً فلا حنث ، كأن يقول رجل : " والله لا وطئت زوجتي فلانه " فوطئها يظنها الأخرى فحينئذ يكون جاهلاً فلا كفارة عليه لأنه جاهل وقد قال r : ( إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فالمكره والناسي والجاهل غير مؤاخذ فلا كفارة عليه. إذن : إذا فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً عالماً فعليه الكفارة . وأما إذا فعله ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا كفارة . لكن الحنابلة يستثنون الحلف بالطلاق وبالعتاق وإنه يحنث به وإن كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً . والصحيح أنه كسائر الأيمان – كما هو اختيار شيخ الإسلام – وتقدم الكلام عليه ، وأنه من حلف على الطلاق أو العتاق ثم حنث ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً ، فالحكم كذلك كما هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام . كما تقدم فمن قال في كل يمين مكفرة ، كاليمين بالله أو الظهار أو النذر فكل هذه أيمان مكفرة ، فإذا قال فيها : " إن شاء الله" لم يحنث وعليه فلا كفارة . فإذا قال رجل : " لله علي لأن شفي مريضي أن أصوم سنة إن شاء الله " أو قال : " والله لا أكلم زيداً إن شاء الله " أو قال : " إن فعلت كذا فأنت علي كظهر أمي إن شاء الله " فهذه أيمان مكفرة قد علقت بالمشيئة فلا حنث وعليه فلا كفارة. ويدل على ذلك : ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( من حلف على يمين فقال : إن شاء الله لم يحنث ) فمن حلف على يمين من الأيمان المكفرة فقال إن شاء الله لم يحنث ، أي قالها تعليقاً . وأما إن قالها تحقيقاً أو سَبقْ لسان أو تبركاً فإنه يحنث . فالمراد متى ما علق المحلوف عليه بمشيئة الله وإرادته الكونية فإنه لا حنث عليه . وأما إذا قال ذلك تحقيقاً أو سبق لسانه به فإنه يحنث . وكذلك لو قال : " إن أراد الله " وأراد بذلك الإرادة الكونية التي هي بمعنى المشيئة . فمتى ما علقه بالمشيئة باللفظ أو بالمعنى فإن الحكم يثبت على ما تقدم . ويشترط أن يكون الاستثناء " أي قوله : " إن شاء الله " – متصلاً حقيقة أو حكماً ، لقوله r : ( فقال ) والفاء تفيد التعقيب . " حقيقة " كقوله : " والله لا أكلم زيداً إن شاء الله " . " أو حكماً " كأن يقول : " والله لا أكلم زيداً " فيسعل أو يعطس ثم يقول : إن شاء الله " . ويشترط أن يتلفظ بالاستثناء ، لظاهر الحديث. فإن لم يتلفظ به بأن نوى في قلبه فإنه يحنث إن فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله . وهل يشترط أن ينوي الاستثناء أثناء تلفظه بالمستثنى منه أم لا يشترط ذلك قولان لأهل العلم : المشهور في المذهب : أنه يشترط ذلك ، وعليه فلو أن رجلاً قال : " والله لا أكلم زيداً " فقيل له : قل إن شاء الله فقال : إن شاء الله فإنه يحنث ، إن فعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله . والقول الثاني في المسألة : وهو مذهب مالك ، ومذهب أحمد ومتقدمي أصحابه كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو اختياره : أنه لا يشترط ذلك وهو ظاهر الحديث. ويدل عليه : ما ثبت في صحيح البخاري وغيره في قصة يمين نبي الله سليمان عليه السلام وفيه أن الملك قال له : قل إن شاء الله ، فلم يقل ، وفيه أن النبي r قال : ( أما إنه لو استثنى لم يحنث ) . فإن شك هل استثنى أم لا فما الحكم ؟ رجل قال : " والله لا أكلم زيداً سنة " ثم قال ولا أدري هل استثنيت فقلت إن شاء الله أم لا ؟ فنقول : الأصل هو عدم الاستثناء ، و هو المذهب. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية : أن ذلك حيث لم يكن من عادة هذا الحالف الاستثناء . فإن كان من عادته الاستثناء ، فنقول : أنت قد استثنيت وهذا هو الصحيح ، وهذا من باب تغليب الظاهر على الأصل فإذا تعارض عندنا الظاهر والأصل فإننا نرجح الظاهر . كما تقدم في مسألة سابقة ، لو أن أمرآة أدعت أن زوجها لا ينفق عليها ولم تأت ببينة فإن الأصل معها ، لكن الظاهر يخالف قولها لأن الظاهر أنه ينفق عليها فهنا كذلك فهذا من باب ترجيح الظاهر على الأصل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] يسن الحنث في اليمين إذا كان خيراً [ إذا كان الحنث خيراً ، كأن يحلف على ترك أمر مستحب أو فعل مكروه فتسن له أن يحنث لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال لعبدالرحمن ابن سمرة : ( وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك ) هذا لفظ البخاري ، واللفظ في الصحيحين : ( فكفر عن يمينك و ائت الذي هو خير ) وفي أبي أبي داود بإسناد صحيح : ( فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير ) . إذن : متى كان الخير في الحنث فهو المستحب ويكفر عن يمينه إن شاء قبل الحنث وإن شاء بعده كما يدل عليه الحديث المتقدم . فإذا كفر قبل الحنث فحينئذٍ تكون تَحِلَّة يمينه ، وإذا كفر بعد الحنث فتكون كفارة . وقد يكون الحنث واجباً إذا كانت الخيرية واجبة ، فلو أن رجلاً حلف بما فيه قطيعة رحمه أو عقوق والديه فنقول : يجب عليك أن تحنث وأن تصل رحمك وتبرَّ والديك . ولذلك إذا حلف على فعل محرم فإنه يجب عليه الحنث . وقد يكون الحنث محرماً . فلو أن رجلاً حلف ألا يفعل الأمر المحرم الفلاني ، كأن تحلف ألاَّ تشرب الدخان أو ألاَّ يزني أو غير ذلك فحينئذٍ يجب عليه ألا يحنث في يمينه . وإذا كان المحلوف عليه مباحاً فإن شاء حنث وإن شاء حفظ يمينه ، والأفضل حفظ اليمين لقولـه تعـالى : ) واحفظوا أيمانكم ( . وإبرار المقسم حقٌ للمسلم ، فقد ثبت في البخاري وغيره في حقوق المسلم على المسلم أن النبي e قال : ( وإبرار المقسم ) ، فإبرار المقسم مشروع : وهل هو واجب أم لا ؟ المشهور في المذهب : أنه ليس بواجب . واختار شيخ الإسلام وجوبه إن كان على معيَّن ، أما إذا كان على عامة الناس فلا ، وهذا حنث لم يترتب على ذلك مفسدة أو فوات مصلحة فلو أقسم عليه بما يترتب عليه إثم كأن يقسم عليه بقطيعة رحمه أو بعقوق والديه أو نحو ذلك فلا يبرَّ قسمه . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ومن حرم حلالاً سوى زوجته من أمةٍ أو طعام أو لباس أو غيره لم يحرم وتلزمه كفارة يمين إن فعله [ من حرم حلالاً من أمة : كأن يقول لأمته : " أنت علي حرام " . أو قال في طعام معين : " هو علي حرام " . أو قال في لباس معين : " هو علي حرام " . فإنه لا يحرم عليه شيء من ذلك ، وتلزمه كفارة يمين إن فعله لقوله تعالى – لما قال النبي e كما في الصحيحين : ( لن أعود إلى شرب العسل ) – قال سبحانه : ) ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ، قد فرض الله تحلة أيمانكم ( . فمتى ما حرم حلالاً مباحاً ثم فعل ما حرمه فعليه كفارة يمين . لكن استثنى المؤلف هنا : ما إذا حرم زوجته ، وذلك لأن تحريم الزوجة في المشهور في المذهب ظِهار ، وتقدم البحث في هذه المسألة في كتاب الظِهار . مسألة : إذا قال رجل هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فهي في حكم اليمين وهذه الألفاظ محرمة كما ورد ذلك الأحاديث الصحيحة ، ففي سنن أبي داود أن النبي e قال : ( من قال أنا بريء من الإسلام ، فإن كان كاذباً فهو كما قال ، وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً ) والحديث صحيح . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة [ يُخيَّر من لزمته كفارة يمين بين هذه الخِلال الثلاث : إن شاء أطعم عشرة عشرة مساكين وإن شاء كساهم وإن شاء عتق رقبة . لقوله تعالى : ) فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة[ وهو مخير بين بين هذه الثلاث ، وهذا للتيسير ولما كان للتيسير كان الخيار هنا خيار تشهي. وأما إذا كان التخيير للمصلحة فلا يكون للتشهي بل يكون على حسب المصلحة . وإذا اختار الإطعام فيجب عليه أن يطعم عشرة مساكين فلا يجزئه أن يُطعم ثمانية أو خمسة أو واحداً وإن كان الطعام طعام عشرة ، فلو أن رجلاً أعطى مسكيناً واحداً طعام عشرة مساكين أو أطعم مسكيناً عشرة أيام فإنه لا يجزئه ذلك ، خلافاً لأبي حنيفة ، ووِفاقاً للجمهور لظاهر الآية الكريمة لأن الله قال : ) فكفارته إطعام عشرة مساكين ( . فإن لم يجد عشرة مساكين ووجد خمسة مساكين ، فهل يطعمهم طعام يومين وإن لم يجد في البلد إلا مسكيناً واحداً فهل له أن يطعمه عشرة أيام ؟ قولان لأهل العلم : القول الأول : أن ذلك لا يجزئه ، وذلك لظاهر النص . القول الثاني : أن ذلك يجزئه وهذا هو المشهور في المذهب وذلك للمعنى ، قالوا : حيث وجد عشرة مساكين فواجب عليه ذلك ، وحيث لم يجد فإنه إذا أطعم المسكين الواحد عشرة أيام ، فإن ذلك في معنى المنصوص عليه ، وهذا أقوى – فيما يظهر لي – والله أعلم . وسواء أطعمهم طعاماً قد صنعه لهم أو أطعم كل مسكين نصف صاع من تمر ونحوه أو ربع صاع من قمح أو أرز - كما تقدم ذكر الآثار - في مسائل سابقة ، و الصاع يساوي ثلاثة كيلو جرام تقريباً من الأرز. " أو كسوتهم " : فإذا اختار الكسوة . فالمشهور في المذهب أنه يجب عليه ثوب يجزئ في الصلاة للرجل وللمرأة درع وخمار يجزئ في الصلاة. قال الشافعية : بل ما سمي كسوة وإن لم يكف كالعمامة مثلاً ، فإن ذلك يجزئ وهذا ضعيف ، فكما أننا نوجب في الإطعام ما يكفي ، فكذلك في الكسوة ما تكفي فالأظهر ما ذهب إليه الحنابلة . ولو قيل : إن مرجع ذلك إلى العرف فيكسوهم بما كان هو الوسط في عرف الناس لكان قوياً ، والوسط في عرفنا الثوب والعمامة. " أو عتق رقبة " : لقوله تعالى : ) أو تحرير رقبة ( . ويشترط فيها الإيمان ، كما تقدم في المسائل السابقة لأن الله عز وجل قد قيَّدها في آيات أخرى ، وحينئذٍ يحمل المطلق على المقيد . و لما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( أتقها فإنها مؤمنة ) . إذن : يجب أن تكون الرقبة مؤمنة ، وقد تقدم الكلام على تفصيل ذلك في كفارة الظِهار . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة [ لقراءة ابن مسعود : ) فصيام ثلاثة أيام متتابعات ( رواها ابن جرير وغيره بإسناد صحيح ، فهي حجة ، وعلى قوله هي قراءة ، وهذا رأى وجوبها متتابعة ، هو قول الجمهور . والقول الثاني : وهو مذهب مالك أنه يجزئه أن يصومها متفرقة لإطلاق الآية الكريمة : ) فصيام ثلاثة أيام (. و لو لم تثبت هذه الآية لقلنا بجواز التفريق ، أما وقد ثبتت فحينئذٍ يجب التتابع . وكثير من العوام يشرعون بالصيام قبل الإطعام ، وهم قادرون على الإطعام أو الكسوة أو التحرير ، وهذا الصيام لا يجزئهم ، لأن الله عز وجل قال : ) فكفارته إطعام عشرة مساكين من ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ( . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة ، وإن اختلف موجبها كظهار ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا [ هنا صور لهذه المسألة : الصورة الأولى : أن تكون اليمين واحدة ، والمحلوف عليه متعدد ، كأن يقول : " والله لا أكلت اليوم ولا شربت ولا نمت " فإن أكل وشرب ونكح ونام فعليه كفارة واحدة ، قولاً واحداً لأن اليمين يمين واحدة . الصورة الثانية : أن تكون الأيمان متعددة ، والمحلوف عليه متعدد ، كأن يقول : " والله لا كلمت زيداً ، والله لا كلمت عمراً ، والله لا كلمت بكراً " . فالمشهور في مذهب الإمام أحمد أنه إن لم يكفر فتجب كفارة واحدة ، قالوا : لأنها من جنس واحد ، فالكفارات هنا موجبها واحد والموجَب " بفتح الجيم " هو ما يجب في الكفارة ، فإذا قال : " والله ما كلمت زيداً " فحنث فعليه كفارة وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ، وكذلك إن قال : " والله لا كلمت عمراً " فحنث فكذلك ، أو قال : " والله لا كلمت بكراً " فحنث فكذلك . والقول الثاني : وهو مذهب الجمهور و رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : إن عليه لكل يمين كفارة . ففي المثال المتقدم إذا كلم زيداً وعمراً فعليه كفارتان لأن الأيمان متعددة ، فهذه يمين وهذه يمين وهذه يمين وظاهر الآية أن لكل يمين كفارة ، وهذا هو القول الراجح في المسألة . الصورة الثالثة : أن يكون موجَبُها مختلف فيجب عليه لكل يمين كفارة كأن يقول : " والله لا كلمت زيداً" و " إن فعلت كذا فامرأتي علي كظهر أمي " و " نذرٌ علي إن فعلت أن أذبح جزوراً " فهذه أيمان مختلفة و موجبها مختلف. فقوله : " والله لا كلمت زيداً " كفارة ذلك هي كفارة اليمين ، وتقدمت وقوله : " إن فعلت كذا فامرأتي علي كظهر أمي " فكفارتها تختلف فهي تحرير رقبة فإن لم يجد فصيا مشهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً . وقوله : " نذرٌ علي إن حصل كذا أن أذبح جزوراً " فموجبها مختلف وهو ذبح الجزور . إذن : لا يجزئه حينئذٍ أن يكفر كفارة واحدة لأن الموجب مختلف وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم . وأما لو قال : " والله لا كلمت زيداً والله لا كلمت زيداً والله لا كلمت زيداً " فهذا تأكيد فليس فيه إلا كفارة واحدة. نعود إلى كلام المؤلف : قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] من لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة [ هذا هو المذهب ، وتقدم أن الراجح خلافه . لكن هنا قال : " قبل التكفير " فهذا قيد . أما إذا كان بعد التكفير فإنها تلزمه كفارة أخرى . فلو أن رجلاً قال : " والله لا كلمت عمراً ، والله لا كلمت زيداً " فكلم اليوم عمراً ، وكفر عن يمينه ، فلما كان من الغد كلّم زيداً فتجب عليه الكفارة . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإذا اختلف موجبها كظهار ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا [ وهذا – كما تقدم – لا خلاف فيه . مسألة : ووقت الوجوب الحنث و عليه فلو صام قبل الحنث لفقره ثم حنث و هو موسرُ لم يجزئه ، هذا هو المذهب و الأظهر أنه يجزئه لأنه كان فرضه و قد فعله فأجزأ و برئ من الواجب لأن الكفارة حلت يمينه فلا حنث و اختاره أكثر الحنابلة. مسألة : و تجب كفارة اليمين و النذر على الفور إذا حنث هذا هو المشهور في المذهب لأن الواجبات على الفور. باب جامع الأيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ [ يرجع في أيمان الحالفين إلى نية الحالف لقوله e : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى ) وهذا باتفاق العلماء . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إذا احتملها اللفظ [ كأن يقول رجل : " والله لأبيتنا الليلة تحت سقف " فبات تحت السماء وكان ينوي بالسقف السماء . أو قال : " والله لأبيتن على فراش " وكان ينوي بالفراش الأرض ، فبات على الأرض فإنه لا يحنث ، لأنه قد نوى ذلك ، واللفظ يحتمل ذلك . أما إذا كان اللفظ لا يحتملها ، كأن يقول : " والله لا آكل الخبز " ويقول : أنوي بذلك اللبن مثلاً ، فهذا لا يحتمله اللفظ . إذن : لابد أن يحتمله اللفظ ، لأن اللفظ إذا لم يحتمله صارت نية مجردة . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها [ فإذا حلف ، فقلنا : ما نيتك ؟ قال : أنا لم أنو شيئاً فنظرنا فإذا لليمين سبب قد هيجها . فلو أن رجلاً قال : " والله لا أشرب في بيت فلان ماءً والذي هيج ذلك عنده أمر وقع بينه وبينه فأراد ألا يكون له عليه منة ، فلو أكل عنده طعاماً فإنه يحنث لأنه لا يريد خصوص الماء وإنما يريد عموم ما يلحقه به المنة من طعام أو شراب في داره ، و مثله لو قال لا أقضين حقك غداً فقضاه اليوم. فإذا لم يكن هناك نية للحالف ولا سبب هيجها فإننا نرجع إلى التعيين ، ولذا . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن عدم ذلك رجع إلى التعيين [ وذلك لأن التعيين أبلغ من الاسم. فإذا قلت : " لا تكرم زيداً " وقلت : " لا تكرم هذا " وأشرت إلى زيد ، فالأخير أبلغ ، والتعيين أبلغ و أدل من الاسم على المسمى لأنه ينفي الإبهام بالكلية فلا يكون هناك أي إبهام . ثم ضرب لذلك – أي للتعيين أمثلة فقال : قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإذا حلف لا لبست هذا القميص [ فإذا قال : " والله لا ألبس هذا القميص " ولم ينو شيئاً ولم يكن هناك سبب هيج اليمين . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فجعله سراويل أو عمامة أو رداء ولبسه ..... حنث [ لأن العين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أولا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً [ إذا قال : " والله لا أكلم هذا الصبي " فصار شيخاً أي كبير السن ، فكلمه فإنه يحنث بذلك لأن العين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو زوجة فلان هذه أو صديقة فلاناً أو مملوكه سعيداً فزالت الزوجية أو الملك أو الصداقة ثم كلمهم [ فإذا قال : " والله لا أكلم زوجة زيد هذه " فطلقها زيد ثم كلمها فإنه يحنث لأن العين باقية ولا نية ولا سبب يهيج . وإذا زال الملك في العبد فكلمه بعد ذلك ، فكذلك يحنث أو زالت الصداقة بينه وبين صديقه فكذلك يحنث لأنه لا سبب ولا نية ، والعين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً [ لأن العين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو أو خلاً [ فإذا أكله فإنه يحنث لأن العين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو هذا اللبن فصار جبناً [ أي قال : " والله لا أشرب هذا اللبن " فصار جبناً فإذا أكله فإنه يحنث لأن العين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو كَشْكاً أو نحوه [ الكَشْك هو أن تكسر الحنطة ثم تطبخ باللبن وهو ما نسميه نحن بالجريش . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ثم أكله حنث في الكل [ لأن العين باقية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا أن ينوي مادام على تلك الصفة [ ولا تحتاج إلى هذا الاستثناء ، لأن هذا الشرط معلوم أولاً. حيث قال : ( يرجع في الأيمان إلى نية الحالف ) لكن هنا للبيان والإيضاح . فإذا قال : " والله لا كلمت امرأة زيد وهو ينوي أنها مادامت على تلك الصفة حيث إنها زوجة لزيد ، فإذا طلقها زيد فكلمها بعد ذلك فلا حنث . القول الثاني في أصل المسألة : إنه إذا حلف لا يلبس قميصاً ولم يكن هناك نية ولا سبب هيج اليمين فجعل القميص عمامة أو سراويلاً ، أو حلف لا يكلم الصبي فصار شيخاً وهكذا – فإنه لا يحنث . وذلك لأن الأسم قد زال و كذا الوصف. فإنه إذا قال : " والله لا أشرب هذا اللبن " فأكله جبناً فإن الاسم والوصف قد زالا . ويبعد أن يكون قد قصد إلا هذه الحال السابقة.، وهذا فيما يظهر أقوى والله أعلم . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن عُدم ذلك [ فلا نية ولا سبب يهيج ولا تعيين. قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ رجع إلى ما يتناوله الاسم وهو ثلاثة : شرعي وحقيقي وعرفي ، فالشرعي : ما له موضوع في الشرع وموضوع في اللغة ]. كالصلاة ، فإنها لها موضوع في الشرع ولها موضوع في اللغة ، فهي في اللغة الدعاء – على القول المشهور – وفي الشرع العبادة المعروفة . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح [ فإذا أطلق فقال : " والله لأحجن هذه السنة فهذا مطلق فينصرف إلى الموضوع الشرعي وهو الحج الصحيح لا الفاسد . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإذا حلف لا يبيع ولا ينكح فعقد عقداً فاسداً [ فلو أن رجلاً قال : " والله لا أبيع هذه العين أو والله لا أوجر أو قال : " والله لا أُنكح ابنتي " فعقد عقداً فاسداً في البيع أو في الإجارة أو في النكاح فإنه لا يحنث ؛ لأن المتبادر عند الإطلاق هو العقد الصحيح لا العقد الفاسد . فإذا قال : " والله لا أوجر داري " فأجرها إلى من ينظر فيها محرماً من المحرمات ، فإنه لا يحنث لأن هذه الإجارة فاسدة . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة كأن حلف لا يبيع الخمر أو الحر حنث بصوره العقد [ فإذا قال : " والله لا أبيع الخمر " فباع خمراً ، فإنه يحنث و ذلك لأن في كلامه ما ينفي الإطلاق المتقدم. قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والحقيقي : هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته [ والأوضح أن يقال : " هو اللفظ المستعمل في أول ما وضع له في اللغة " . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] كاللحم ، فإن حلف لا يأكل اللحم فأكل شحماً أو مخاً أو كبداً ونحوه لم يحنث] وذلك لأن المتبادر من الحقيقة اللغوية سوى ذلك ، فإن الكبد ليست بلحم في اللغة ، والشحم ليس بلحم في اللغة وهكذا . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن حلف لا يأكل أُدماً حنث بأكل البيض والتمر والملح والخل والزيتون ونحوه وكل ما يُصطبغ به [ الأُدُم هو ما جرت العادة بأكل الخبز به سواء كان مطبوخاً أم لا . فإذا قال : " والله لا آكل أدماً " فأكل البيض مع الخبز فإنه يكون قد حنث ، أو أكله بالتمر أو الملح أو الخل أو الزيتون ونحوه وكل ما يُصطبغ به – أي يغمس به – فإنه يحنث وذلك لأنه قد تأدم . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يلبس شيئاً [ فإذا حلف ألا يلبس شيئاً . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فلبس ثوباً [ فإنه يحنث لأن الثوب شيء في الحقيقة اللغوية . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو درعاً أو جَوشْناً [ وهو نوع من الدروع . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو نعلاً حنث [ لأنه قد لبس شيئاً . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان ولا يفعل شيئاً فوكَّل من فعله حنث [ فإذا حلف لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله فإنه يحنث ولذا فإن الله عز وجل قال : ) محلقين رؤوسكم ( وهم لا يحلقونها بأنفسهم ، وإنما تُحلق لهم في الغالب فدل على أن الفعل يضاف إلى من فُعل عنه. قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا أن ينوي مباشرته بنفسه [ كأن يقول : " والله لا أذبح هذا الكبش " وهو ينوي بذلك مباشرته بنفسه ، فوكل من يذبحه فإنه لا يحنث لأن لفظه يحتمله. قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والعرفي [ والعرفي مقدم على اللغوي . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ما أشتهر مجازه فغلب الحقيقة [ ولذا كان هو المقدم لأنه هو المتبادر ، وهو المرجح من قصد الحالفين . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] كالراوية [ الراوية في أصل اللغة : هو الجمل يستقى عليه ، ثم أطلق من باب المجاز على المزادة ، وكان هذا الإطلاق هو الغالب. فلو قال : " والله لا أشتري راوية " فاشترى مزادة فإنه يحنث لأن هذا هو المتبادر من لفظه . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والغائط ونحوهما [ الغائط في أصل اللغة : المكان المنخفض ، ثم أطلق وغلب على الخارج من الدبر . قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فتتعلق اليمين بالعرف ، فإذا حلف على وطء زوجته أو وطء دارٍ تعلقت يمينه بجماعها وبدخول الدار [ فلو أن رجلاً قال : " والله لا أطأ زوجتي " فجامعها ، فإنه يحنث ، فإن قال : " ما الذي جعلكم تحملون الوطأ على الجماع مع أنه يُطلق على وطء القدم " فنقول له هذا هو المتبادر من اللفظ ، لكن لو قال : أنا كنت أنوي ألاَّ أطأها بقدمي . فحينئذٍ : نحكم بالنية لأن هذه هي المرتبة الرابعة ، والنية هي المرتبة الأولى . وإذا قال : " والله لا أطء دار فلان " فالمتبادر من اللفظ عُرفاً هو الدخول ، وليس المراد أنه يطأ الدار بقدمه . قال رحمه الله تعالى : ] وإن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مُستهلَكاً في غيره كمن حلف ألا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه [ فإنه لا يحنث وذلك لأن المستهلك في الشيء وجوده كعدمه، ولذا قال النبي e : ( الماء طهور لا ينجسه شيء ). قال رحمه الله تعالى : ] أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً لا يحنث [ والناطف : نوع من الحلوى . لكن إن كان طعم البيض ظاهراً فيه فإنه يحنث ولذا قال : رحمه الله تعالى : ] وإن ظهر فيه طعم شيء من المحلوف عليه حنث [ لأنه حينئذٍ لا يكون وجوده كعدمه . قال رحمه الله تعالى : ] وإن حلف لا يفعل شيئاً ككلام زيدٍ ودخول دارٍ ونحوها ففعله مكرهاً لم يحنث [ وهذه المسألة تقدمت لأنه من شروط وجوب الكفارة أن يكون مختاراً ، ومن شروط ثبوت الحنث ، أن يكون مختاراً وهو هنا ليس بمختار . قال رحمه الله تعالى : ] وإن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه كالزوجة والولد أن لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاً حنث في الطلاق والعتاق فقط [ فإذا حلف على نفسه ألا يفعل شيئاً ففعله ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فإنه لا حنث عليه إلا في الطلاق والعتاق – في المذهب - . والصحيح ما تقدم وهو اختيار شيخ الإسلام وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، أنه لا يحنث أيضاًَ وعليه تدل آثار الصحابة كما تقدم ذكره في درس سابق . كذلك إذا حلف على من جرت العادة أنه يطيعه كالزوجة والولد ونحوهما ، كأن يقول لابنه : " والله لا تصاحبن فلاناً " فصاحبه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً ، فإن الحالف لا يحنث . وإذا قال له : " إن صحبت فلاناً فزوجتي طالق أو فعبدي حر فصاحبه ناسياً أو جاهلاً فإنها على المذهب تطلق ، وعلى القول الصحيح لا تطلق لأنه لم يحنث . قال رحمه الله تعالى : ] أو على من لا يمتنع بيمينه كسلطان أو غيره ففعله حنث مطلقاً [ فلو أن رجلاً حلف على من لا يمتنع بيمينه كسلطان أو أجنبي كأن يقول لأجنبي : والله لا تفعلن كذا أو والله لتفعلن كذا " فخالف هذا الأجنبي فإن الحالف يحنث مطلقاً سواء كان المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً في مخالفته ، أو كان عالماًُ ذاكرا ً . و يمكن أن يدخل الصديق فيمن يمتنع من يمينه قال الشيخ محمد بن إبراهيم و فيه قوة. والفارق بين المسألتين – أي ما إذا حلف على من يمتنع بيمينه و بين ما إذا حلف على من لا يمتنع بيمينه – أن المسألة الأولى : يصح فيها الإلزام ، وأما المسالة الثانية : فلا يصح فيها الإلزام ومن ثمَّ كانت اليمين كالشرط المجرد أي كقول الرجل لامرأته : " أنت طالق إذا دخل الشهر " فهذا شرط مجرد وتطلق بدخول الشهر ، كذلك إذا قال لمن لا يمتنع بيمينه : " والله لتفعلن كذا أو لا تفعل كذا " ففعل ، فإنه لما لم يكن له حق في إلزامه ولم يكن ممن يمتنع بيمينه كان ذلك كالشرط المجرد فقد وجدت اليمين ووجد الحنث فوجبت الكفارة . قال رحمه الله تعالى : ] وإن فعل هو أو غيره ممن قصد منعه بعض ما حلف على كله لم يحنث ما لم تكن له نية [ هنا مسألتان : لمسألة الأولى : أن يحلف على فعل شيء ، فإنه لا يبرأ حتى يفعله كله ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. فلو أن رجلاً قال : " والله لأصلين اليوم مائة ركعة " فلا يبرأ إذا صلى ثمان وتسعين ركعة. المسألة الثانية : أن يحلف ألاَّ يفعل ، ثم فعل بعضه ففي المسألة قولان لأهل العلم هما روايتان عن الإمام أحمد: القول الأول : وهو قول الجمهور : ما ذكره المؤلف هنا وأنه لا يحنث وهذا هو المشهور في المذهب . فلو قال : " والله لا أكل هذا الرغيف فأكل نصفه " فإنه لا يحنث بذلك حتى يأكله كله . قالوا : لأن النبي e كان يخرج رأسه لعائشة وهو معتكف فترجله وهي حائض . والقول الثاني في المسألة وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد : أنه يحنث بذلك . قالوا : لأن المنع هنا كالنهي الشرعي ، والشارع إذا نهى عن شيء فإنه ينهي عن أبعاضه ، وهذا بالاتفاق ، قالوا : فكذلك هنا لأن اليمين المقصود منها المنع ، فكانت كالنهي وهذا القول فيه قوة و هو الأحوط. ومما يرجح هذا القول : أننا لو قلنا بالقول الأول لكان ذريعة إلى مخالفة الأيمان ، فيقول الرجل : " والله لا أستأجر هذه الدار هذه السنة " فيستأجرها إلا يوماً . ويقول : " والله لا آكل هذا الرغيف " فيأكله كله إلا لقمة منه وهكذا ، ولا شك أن هذا من الحيل . وقد قال المؤلف: " ما لم تكن له نية " . فلو أن رجلاً قال : " والله لا آكل هذا الرغيف " وهو ينوي ألا يأكل منه شيئاً ، فلو أكل منه شيئاً يسيراً فإنه يحنث كذلك : إذا كانت هناك قرينة تدل على أنه يريد الأبعاض كأن يقول : " والله لا أشرب ماء هذا النهر " فشرب منه بإناء صغير فإنه يحنث ، وذلك لأن قوله لا يمكن أن يكون مراده أن يشرب ماء النهر كله فتعين أن يكون المراد بعضه. إذن : إذا كانت هناك قرينة تدل على النهي عن الأبعاض أو كانت هناك نية تدل على ذلك فلا خلاف في المنع من الأبعاض . وأما إذا لم تكن هناك نية ولا قرينة ففيه قولان لأهل العلم. باب النذر النذر لغةً : الإيجاب ، يُقال : نذر ينذر : " بفتح الذال وكسرها " نذراً . و اصطلاحاً : إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى غير محال بكل قول يدل عليه، فإذا نوى و لم يتلفظ لم يلزمه كاليمين. فإذا ألزم نفسه بما لا يجب عليه فذلك هو النذر ، وكل قول يدل على النذر فهو نذر ، فإذا قال : " لله علي إن فعلت كذا أن أصوم شهراً " أو قال : " علي نذرٌ إن فعلت كذا لأصلين كذا وكذا " أو قال : " نذرٌ علي لأتصدقن بألف درهم إن فعلت كذا " ، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل عليه . والنذر عند جمهور العلماء مكروه ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي e :( نهى عن النذر وقال :إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل ) وذهب طائفة من أهل الحديث إلى تحريمه ، وذلك لظاهر النهي ، وتوقف في تحريمه شيخ الإسلام ابن تيمية . والجمهور لم يقولوا بتحريمه لما ورد من الأدلة الدالة على أن الإيفاء بالنذر محمود ، مأمور به قال تعالى : ) يوفون بالنذر ( فأثنى الله عليهم بالإيفاء بالنذر وهو مأمور به لقوله e : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) . قالوا : فهذا يدل على أنه ليس بمحرم ، إذ لو كان محرماً لما جعله الشارع مأموراً به ولا محموداً . وذهب جماعة من العلماء واختار هذا القول الشنقيطي إلى أن النذر نوعان : النوع الأول : النذر الذي يكون لجلب نفع أو دفع ضر عن الناذر فهو على سبيل المشارطة . والنوع الثاني : النذر الذي يكون على وجه التبرر أي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا على وجه المشارطة . أما النوع الأول : فهو مكروه . وأما النوع الثاني : فليس بمكروه بل هو مستحب ، هذا هو القول الثالث . والدليل على ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نهى عن النذر الذي يستخرج به من البخيل ونهى عن النذر الذي لا يأتي بخير وهو النوع الأول ، فهو الذي يستخرج به من البخيل وهو النذر الذي لا يأتي بخير . ففي البخاري أن النبي e قال : ( إن النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخر شيئاً ) هذه رواية في الحديث المتقدم . وفي رواية لمسلم أن النبي e قال : ( لا تنذروا فإن النذر لا يأتي من القدر بشيء) . وفي رواية لمسلم أن النبي e قال : ( إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج ) فهذه الرواية ظاهرة في أن المراد بذلك النذر الذي يريد به العبد أن ينفع نفسه بجلب نفع أو دفع ضر . فبين النبي r أن النذر يوافق القدر ، وإن العبد لا يأتي له قدره بشيء لم يكن الله كتبه له لكن يوافق النذر القدر ، وحينئذٍ يخرج بذلك من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرج . وأما النوع الثاني : فإنه يأتي بخير ، فإن العبد يلزم نفسه بالنذر بطاعة كصدقة أو غير ذلك فيكون قد أتى بخير. وهو ليس ببخيل بل قد ألزم نفسه بذلك من غير مشارطة لله تعالى ، وكذا قال تعالى : ) وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ( أي فيثيبكم عليه ، فدل على أن من النذر ما يُثاب العبد عليه ، وهذا هو القول الراجح في المسألة . وعليه فالنذر نوعان : النوع الأول : ما يكون على وجه التقرب الخالص المحض لله تعالى فهذا مستحب . وأما النوع الثاني : فهو ما يكون على وجه المشارطة ، بأن ينذر ليجلب نفعاً لنفسه أو ليدفع ضراً فهذا النوع مكروه بل يتوجه تحريمه ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه . لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( رُفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق ) فيصح النذر من الكافر . ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين : أن عمر قال للنبي e : ( أني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة فقال النبي e : أوف بنذرك ) . وقال الجمهور : بل لا يصح لأنه عبادة . وهذا التعليل يخالف النص الوارد عن النبي e فلا عبرة به ، لكن إن كان يفتقر إلى نية كالصلاة فلا سبيل إلى الوفاء إلا بعد إسلامه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] والصحيح منه خمسة أقسام : المطلق [ هذا هو القسم الأول النذر المطلق . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ومثل أن يقول : لله علي نذر ولم يسم شيئاً ، فيلزمه كفارة يمين [ رجل قال : " لله علي نذر إن شفي مريضي " فهو لم يسم هذا النذر ، فلم يسم نذراً كأن يذبح جزوراً أو أن يتصدق بدراهم أو أن يحج بيت الله أم أن يصوم فهو لم يسم نذره ، ولم ينو – كما قال الفقهاء - فلو قال : " لله علي نذر إن شفي مريضي " ونوى أن يكون النذر ذبح جزور فإن ذلك يلزمه . لكن حيث لم يسم ولم ينو فيلزمه كفارة يمين لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي e قال : ( كفارة النذر كفارة يمين) وعند الترمذي وصححه – وهو كما قال : ( إذا لم يسمه ) . لكن : إن كان هناك عرف فيلزمه ، فمثلاً بعض الناس عندهم عرف أنه إذا قال : " نذر " فالمراد بذلك أن يذبح جزوراً ، فإذا كان هذا عرف عندهم فالذي يظهر إن هذا يلزمه لأن هذا هو المتبادر من لفظه عرفاً و العرف يقوم مقام التسمية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] الثاني : نذر اللَّجاج والغضب [ اللجاج : الخصومة ، والغضب معروف . وليس المراد : أن يكون المهيج له لجاجاً أو غضباً ، بل المراد ما كان سبيله كذلك أي وإن لم يكن أثناء لجاج أو غضب بل المراد ما يجرى مجرى ذلك وهو ما بينه بقوله : قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وهو تعليق نذر بشرط [ يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب فيخير بين فعله أو كفارة يمين ، أي وإن لم يكن غضبان أو في خصومة ، لكنه في الغالب يكون في اللجاج والخصومة . " بقصد المنع منه " كأن يقول : " لله علي أن أصوم سنة إن فعلتُ كذا " . " أو يريد أن يحمل نفسه عليه فيقول : " إن لم أصل الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة " . " أو تصديق الخبر " رجل قيل له : " لما أخبر بخبر – أنت كاذب – فقال : " إن كنت كاذباً ، فلله علي صوم سنة " ، أو قال : " إن لم أكن صادقاً فلله علي أن أصوم سنة" . " أو تكذيبه " كأن يقول السامع : " إن كنت صادقاً فلله علي أن أصوم سنة " . فإذا كان المراد منه المنع أو الحمل على الفعل أو التصديق أو التكذيب فقد جرى مجرى اليمين وعليه فيخير بين فعله وكفارة يمين. فإذا قال مثلاً : " إن زرت فلاناً فعلي صيام سنة " فنقول : إن شئت أن تزوره و عليك كفارة يمين وإن شئت ألا تزوره. ودليل ذلك : ما روى في أبو داود والنسائي أن النبي e قال : ( من نذر في غضب فعليه كفارة يمين ) و الحديث إسناده ضعيف لكنه ثابت عن عمر كما في سنن أبي داود عن سيد بن المسيب عن عمر وهو ثابت صحيح عن عائشة كما في موطأ مالك بإسناد صحيح . والقول الثاني في المسألة : وهو قول المالكية والشافعية : أن عليه أن يوفي بما نذره . قالوا : ولعمومات الأدلة . والصحيح هو القول الأول : وذلك لأن الآثار تخصص العموم كما تقدم تقريره ، فتلك آثار لا يعلم لقائليها مخالف فكان ذلك إجماعاً وإتفاقاً من الصحابة – هذا من حيث الأثر . ومن حيث النظر : هذا النذر يجري مجرى اليمين فكان كاليمين لأنه لا يريد إيقاع الجزاء وإنما يريد المنع أو الحث أو التصديق أو التكذيب فكانت كاليمين . أما إذا أراد إيقاع الجزاء عند الشرط ولم يرد المعاني المتقدمة من منع أو حث أو تصديق أو تكذيب فإنه يلزمه أن يوفي بذلك . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] الثالث : نذر المباح كلبس ثوبه وركوب دابته فحكمه كالثاني [ قال رجل : لله علي نذر لأصومن سنة إن ركبتُ دابتي هذه ، أو وصلت داري تلك . فحينئذ يقول له : أنت مخير بين أن تمتنع من ركوب هذه الدابة ، و دخول هذه الدار ، أو أن تدخلها وتركب الدابة وعليك كفارة يمين عند الجمهور. ويدل على ذلك : أن النبي e : رأى شيخاً يمشي بين ولديه فقال : ( أركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك ) . وفي البخاري : بينما النبي e يخطب إذ هو برجل قائم ، فسأل عنه فقيل له أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم " أي يصوم الدهر " فقال النبي e : ( مروه فليقعد وليستظل وليتكلم وليتم صومه ) وقال الجمهور : وهو اختيار شيخ الإسلام وابن سعدي قالوا : إن نذر مباحاً فإنه لا يلزمه الإيفاء – كما تقدم – ولا كفارة عليه . قالوا : لأن النبي e لم يأمر بالكفارة في الحديثين المتقدمين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . وأما الجمهور : فأوجبوا الكفارة ، وقالوا : هو نذر ، وقد قال النبي e : ( كفارة النذر كفارة يمين ) فهو نذر فيدخل في هذا الحديث ، ولما سيأتي في كفارة المعصية والترجيح في هذه المسألة مبني على الترجيح في المسألة الآتية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإن نذر مكروها من طلاق أو غيره استحب أن يكفر ولا يفعله [ إذا قال : " لله علي إن حصل كذا أن أطلق زوجتي " فهذا مكروه في الشرع . فإنه يستحب أن يكفر ولا يفعله ، فهو بالخيار إن شاء أن يطلق زوجته وإن شاء أن يكفر ولا يفعل لكن التكفير هو الأفضل وهو المستحب له . ووجوب الكفارة هنا مبني على المسألة السابقة فالذين لا يوجبونها في نذر المباح لا يوجبونها هنا . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] الرابع : نذر المعصية : كشرب خمر وصوم يوم الحيض والنحر فلا يجوز الوفاء به ويكفر [ رجل قال : " لئن حدث كذا وكذا فنذر علي أن أشرب الخمر " فهذا نذر معصية ولا يجوز الوفاء به ، لقوله e - في الصحيح - : ( ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه ) ، ويكفر في المشهور من المذهب . وقال الجمهور : لا يكفر لأن النبي e لم يذكر ذلك في الحديث المتقدم ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وأما الحنابلة :- فإستدلوا بما ثبت عند الخمسة أن النبي e قال – من حديث عائشة - : ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ) والحديث من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة . وأعله أحمد والبخاري والترمذي وأبو داود بأن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة ، وإنما سمعه من سليمان بن الأرقم عن يحيى بن أبي كثير وسليمان بن الأرقم ضعيف الحديث. لكن رواه النسائي بسند فيه تصريح بالتحديث بين الزهري وبين أبي سلمة – أي قال الزهري : حدثنا أبو سلمة – وعليه فتزول العلة المذكورة. قال النسائي بعد ذلك : " وقيل إن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة" وظاهر ذلك أنه يصحح هذه الرواية . ومثل هذا الحديث يقوي التوقف فيه لأنه يخشى أن يكون غلطاً من بعض الرواة ، فالمعروف أن الزهري لم يصرح بالتحديث فيخشى أن يكون هناك خطأ من بعض الرواة الثقات في هذا السند فذكر التصريح بالتحديث وهماً . وورد في سنن أبي داود عن ابن عباس مرفوعاً : ( لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ) وصوب الحفاظ وقفه لكن لا يعلم له مخالف . وفي المسند إن النبي e قال في حديث عائشة المتقدم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه ) و في المسند : ( وليكفر عن يمينه ) وإسناده جيد لكن يخشى أن تكون منكرة حيث أعرض عنها صاحبا الصحيح . و هذا القول – أي وجوب الكفارة – فيما يظهر أقوى لما تقدم من أثر ابن عباس وأنه لا يعلم له مخالف ولقوله e : ( كفارة النذر كفارة يمين ) ألا أن يقيدها برواية الترمذي : " إذا لم يسمه " فحينئذ يكون الحديث خاصاً في النذر الذي لم يسم . و القولان كلاهما فيه قوة وينبني على ذلك مسألة النذر المباح والمكروه . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] الخامس : نذر التبرر مطلقاً أو معلقاً [ وهما النوعان اللذان تقدم ذكرهما في أول الدرس . نذر التبرر بمعنى التقرب . " مطلقاً " أن عن الشرط كأن يقول : " نذر لله علي أن أصوم ثلاث أيام " . " أو معلقاً " كأن يقول : " إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصوم شهراً " . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] كفعل الصلاة والصيام والحج ، كقوله : إن شفى الله مريضي أو سلم مالي الغائب فلله علي كذا ، فوجد الشرط لزمه الوفاء به [ ولا تجزئه الكفارة لقوله e : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) . فإن نذر نذراً عجز عنه فعليه كفارة يمين ولا يجب عليه الوفاء لقول ابن عباس – في الحديث المتقدم – : (ومن نذر نذراً لا يطيقه فعليه كفارة يمين ) . وأما كونه لا يجب عليه الوفاء فلما ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر قال : ( نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي النبي e فقال : مرها فلتمشي ولتركب ) أي لتفعل ما شاءت . وللحديث المتقدم في قوله e : ( أركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك ) وهذا الشيخ كان يهادي بين رجلين ، فهذا يدل على أنه إذا كان يعجز عن الوفاء بالنذر فإن الوفاء لا يجب عليه. وهل عليه الكفارة أم لا؟ المشهور في المذهب أن عليه الكفارة لأثر ابن عباس المتقدم وفي بعض الروايات لحديث عقبة المتقدم: (ولتكفرن عن يمينها ) وفي رواية الصحيح: ( ولتصم ثلاثة أيام ) . والقول الثاني أنه إن كان في الحج فعليه دم وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة . ويستدلون بما ورد في بعض روايات هذا الحديث كما في سنن أبي داود قال : ( ولتهد هدياً ) وفي رواية : ( ولتهد بدنة ) ولم يوجبوا البدنة واكتفوا بالهدي . وهذه الروايات كلها ضعيفة فرواية( ولتكفر عن يمينها ) ورواية: ( ولتصم ثلاثة أيام ) ضعيفة السند . وأما رواية : ( فلتهد هدياً ) فقد أعلها الإمام البخاري فقال : ( ولا يصح في هذا الحديث الأمر بالإهداء ) وعليه فهي لفظة شاذة تفرد بها بعض الرواة عن سائرهم . ومن لم يوجب شيئاً في غير الحج قالوا : لم يأمر النبي e وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . والذي يترجح هو ما ذهب إليه ابن عباس ولا يعلم له مخالف ، وإنه يجب عليه مع العجز الذي لا يرجى زواله أن يكفر عن يمينه ، والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] إلا إذا نذر الصدقة بماله كله أو بمسمى منه يريد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث ، فيما عداها يلزمه المسمى [ إذا نذر الصدقة بماله كله ، كأن يقول : " لله علي نذر أن أتصدق بمالي كله " أو قال " لله علي أن أتصدق بمائة آلف " وماله مائتا ألف فهنا أكثر من الثلث . فيجزئه قدر الثلث ، لما ثبت في الصحيحين أن كعب بن مالك قال للنبي e : يا رسول الله إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله فقال له النبي e : ( أمسك عليك مالك فهو خير لك ) . وفي أبي داود : أن النبي e قال له : ( الثلث يجزئك ) وهو مشعر بأنه قد ألزم نفسه بذلك ، هذا من جهة الأثر . وأما من جهة النظر ؛ فلأن خروج المكلف عن أكثر من ثلث ماله ليس بمستحب . و بقوله e : ( الثلث والثلث كثير ) فدل على أن الصدقة بأكثر من الثلث مباحة وليست بمستحبة ، والنذر المباح لا يجب الوفاء به كما تقدم في النوع الثالث . وفيما عداها يلزمه المسمى " فإذا قال : " لله علي أن أتصدق بمائة ألف ، وهو يملك أربعمائة ألف فإنه يلزم بأن يتصدق بالمسمى . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع [ فإذا قال : " لله علي نذر أن أصوم شهراً ، فيلزمه التتابع وذلك لأن هذا هو مقتضى إطلاق اللفظ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإن نذر أياماً معدودة لم يلزمه إلا بشرط أو نية [ إذا قال : " لله علي أن أصوم ثلاثة أيام " لم يلزمه التتابع بل له أن يصومها متفرقة لأن لفظه لا يقتضي التتابع إلا بشرط أو نية " . إلا بشرط : كأن يقول : " لله علي أن أصوم ثلاثة أيام متتابعة فيلزمه بذلك للشرط . أو نية : كأن يقول : " لله علي أن أصوم ثلاثة أيام " وينوي أنها متتابعة فيلزمه ذلك . مسألة : إذا نذر فعل مفضول ففعل فاضلاً عليه من جنسه فإنه يجزئه ؟ فلو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فصلى في المسجد النبوي أجزأه ذلك . ومن نذر أن يصوم يوم الثلاثاء فصام يوم الاثنين فإنه يجزئه لأنه أفضل . ومن نذر أن يصوم الدهر كله فصام يوماً وأفطر يوماً فإن ذلك يجزئه لأنه أفضل . ويدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح : ( إن رجلاً قال للنبي e يا رسول الله : إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي ببيت المقدس فقال : صل ههنا ، فسأله ، فقال : صل هاهنا ، فسأله ، فقال : شأنك إذاً ) والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
كتاب الأيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الشرط الأول : أن تكون اليمين منعقدة ]
لقوله تعالى : ] ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهي التي قصد عقدها على مستقبل ممكن ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن حلف على أمر ماض كاذباً عالماً فهي الغموس ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولغو اليمين : الذي يجري على لسانه بغير قصد كقوله لا والله وبلى والله ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا يمين عقدها بظن صدق نفسه فبان بخلافه ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثاني : [ أن يحلف مختاراً فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثالث : الحِنْثُ في يمينه ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن فعل مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن قال في يمين مكفرة إن شاء الله لم يحنث ]
فصل
فصــــل
قال المؤلف رحمه الله : [ لا يصح إلا من بالغ عاقل ]
قال المؤلف رحمه الله : [ ولو كافراً ]
.
.
الاربعاء, 26 ديسمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








